أبي بكر الكاشاني
202
بدائع الصنائع
بارتكاب محظور الاحرام والجناية عليه ثم زعم الشافعي ان فعل الخاطئ والناسي لا يوصف بالجناية والحظر لان فعل الخطأ والنسيان مما لا يمكن التحرز عنه فكان عذرا وقلنا نحن ان فعل الخاطئ والناسي جناية وحرام لان فعلهما جائز المؤاخذة عليه عقلا وإنما رفعت المؤاخذة عليه شرعا مع بقاء وصف الحظر والحرمة فأمكن القول بوجوب الكفارة وكذا التحرز عنهما ممكن في الجملة إذ لا يقع الانسان في الخطأ والسهو الا لنوع تقصير منه فلم يكن عذرا منه ولهذا لم يعذر الناسي في باب الصلاة الا أنه جعل عذرا في باب الصوم لأنه يغلب وجوده فكان في وجوب القضاء حرج ولا يغلب في باب الحج لان أحوال الاحرام مذكرة فكان النسيان معها نادرا على أن العذر في هذا الباب لا يمنع وجوب الجزاء كما في كفارة الحلق لمرض أو أذى بالرأس وكذا فوات الحج لا يختلف حكمه للعذر وعدم العذر وأما الابتداء فاحتج بقوله عز وجل ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم خص المتعمد بايجاب الجزاء عليه فلو شاركه الخاطئ والناسي في الوجوب لم يكن للتخصيص معنى ولنا وجوه من الاستدلال بالعمد أحدها أن الكفارات وجبت رافعة للجناية ولهذا سماه الله تعالى كفارة بقوله عز وجل أو كفارة طعام مساكين وقد وجدت الجناية على الاحرام في الخطأ الا ترى ان الله عز وجل سمى الكفارة في القتل الخطأ توبة بقوله تعالى في آخر الآية توبة من الله ولا توبة الا من الجناية والحاجة إلى رفع الجناية موجودة والكفارة صالحة لرفعها لأنها ترفع أعلى الجنايتين وهي العمد وما صلح رافعا لاعلى الذنبين يصلح رافعا لادناهما بخلاف قتل الآدمي عمدا أنه لا يوجب الكفارة عندنا والخطأ يوجب لان النقص هناك وجب ورد بايجاب الكفارة في الخطأ وذنب الخطأ دون ذنب العمد وما يصلح لرفع الأدنى لا يصلح لرفع الاعلى فامتنع الوجوب من طريق الاستدلال لانعدام طريقه والثاني أن المحرم بالاحرام أمن الصيد عن التعرض والتزم ترك التعرض له فصار الصيد كالأمانة عنده وكل ذي أمانة إذا اتعف الأمانة يلزمه الغرم عمدا كان أو خطأ بخلاف قتل النفس عمدا لان النفس محفوظة بصاحبها وليست بأمانة عند القاتل حتى يستوى حكم العمد والخطأ في التعرض لها والثالث ان الله تعالى ذكر التخيير في حال العمد وموضوع التخيير في حال الضرورة لأنه في التوسع وذا في حال الضرورة كالتخيير في الحلق لمن به مرض أو به أذى من رأسه بقوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولا ضرورة في حال العمد فعلم أن ذكر التخيير فيه لتقدير الحكم به في حال الضرورة لولاه لما ذكر التخيير فكان ايجاب الجزاء في حال العمد ايجابا في حال الخطأ ولهذا كان ذكر التخيير الموضوع للتخفيف والتوسع في كفارة اليمين بين الأشياء الثلاثة حالة العمد ذكرا في حالة الخطا والنوم والجنون دلالة وأما تخصيص العامد فقد عرف من أصلنا أنه ليس في ذكر حكمه وبيانه في حال دليل نفيه في حال أخرى فكان تمسكا بالمسكوت فلا يصح ويحتمل أن يكون تخصيص العامد لعظم ذنبه تنبيها على الايجاب على من قصر ذنبه عنه من الخاطئ والناسي من طريق الأولى لان الواجب لما رفع أعلى الذنبين فلان يرفع الأدنى أولى وعلى هذا كانت الآية حجة عليه والله أعلم ويستوى في وجوب كمال الجزاء بقتل الصيد حال الانفراد والاجتماع عندنا حتى لو اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند أصحابنا وعند الشافعي يجب عليهم جزاء واحد وجه قوله أن المقتول واحد فلا يضمن الا بجزاء واحد كما إذا قتل جماعة رجلا واحدا خطا انه لا تجب عليهم الا دية واحدة وكذا جماعة من المحللين إذا قتلوا صيدا واحدا في الحرم لا يجب عليهم الا قيمة واحدة كذا هذا ولنا قوله تعالي ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وكلمة من تتناول كل واحد من القاتلين على حياله كما في قوله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم وقوله تعالى ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وقوله عز وجل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقرب المواضع قوله عز وجل ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة حتى يجب على كل واحد من القاتلين خطأ كفارة على حدة ولا تلزمه الدية انه لا يجب عليهم الا دية واحدة لان ظاهر اللفظ وعمومه يقتضى وجوب الدية على كل واحد منهم وإنما عرفنا وجوب دية واحدة بالاجماع وقد ترك ظاهر اللفظ بدليل